الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
228
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
العبارة على ما ذكر بعيد جدا فإن الوجهين المذكورين كما ذكرنا قاضيان بامتناع التكليف بالمحال ومقتضى العبارة كون المفسدة الأولى مغايرة لذلك لا ربط لها بامتناع التكليف بالمحال فما ذكر في التوجيه تمحل ظاهر لا وجه لحمل العبارة عليه فالمتجه في دفع الإيراد حمل الوجه الأول على ما قررناه وذلك الوجه كاستحالة التكليف بالمحال مبني على ثبوت التحسين والتقبيح العقليين والمفسدة المترتبة على كل من الوجهين من قبيل واحد ولعله لذا ردد المستدل بينهما مشيرا بذلك إلى صحة تقريره بكل من الوجهين قوله إن كان المراد بقولهم لا يخفى أن الاحتمالين المذكورين في الجواب إنما هما بالنسبة إلى الضد الخاص ولو كانت دعواهم العينية بالنسبة إلى الضد العام حسبما مر من أنه الأنسب بالقول المذكور بكون المراد بالضد الترك ويكون مفاد القول بأن الأمر بالشيء عين النهي عن ضده أن مفاد طلب إيجاد الشيء عين مفاد طلب ترك تركه إذ مفاد عدم العدم هو الوجود فإن كلا من الوجود والعدم رفع للآخر فطلب الوجود وطلب عدم العدم شيء واحد وإن اختلف المفهوم منهما فهما عنوانان عن أمر واحد حسبما مر تفصيل القول فيه وحينئذ فلا حاجة في بيانه إلى ذلك الوجه الطويل مع وضوح فساده قوله منعنا ما زعموا أنه لازم للخلافين قد عرفت أن الدعوى المذكورة ليست بينة ولا بينة بالدليل فهي في محل المنع بل من الواضح فسادها لما قرر من الدليل على خلافها قوله وقد يكونان ضدين لأمر واحد لا يخفى أن كونهما ضدين لأمر واحد لا يقضي بعدم اجتزاء كل منهما مع ضد الآخر في الجملة حسبما يقتضيه المقدمة المذكورين في الاحتجاج إلا مع انحصار ضدهما في ذلك نعم لو ادعى كون حكم الخلافين جواز اجتماع كل منهما مع كل واحد من أضداد الآخر صح ما ذكر إلا أنه لا دلالة في العبارة المتقدمة على الدعوى المذكورة وإن توقف عليها صحة الاحتجاج في المقام كما مرت الإشارة إليه قوله واعتذر بعضهم إلى آخره يمكن أن يوجّه ما ذكره أيضا بأن القائل المذكور قد يقول بكون دلالة الأمر على الوجوب على سبيل الالتزام فيكون دلالته على المنع من النقيض التزامية أيضا لكونه جزءا من معناه الالتزامي فليس المراد بالتضمن في كلامه هو التضمن بمعناه المصطلح ليكون جزءا من معناه المطابقي بل أراد به الجزئية بالنسبة إلى معناه الالتزامي ويمكن أن يوجه أيضا بأنه وإن كانت دلالته على المنع من النقيض تضمنية إلا أنه لم يرد بالاستلزام في المقام كون دلالته على المنع من النقيض التزامية بل أراد به الاستلزام بين الدلالتين فيكون الدلالة على الكل مستلزما للدلالة على الجزء وهو كذلك إذ من البين كون الدلالة التضمنية تابعة للدلالة المطابقية لازمة لها وإن اتحدتا ذاتا فإن المغايرة الاعتبارية القاضية بتعدد الدلالتين كافية في الحكم بتبعية الثاني للأولى ولزومها لها فاللزوم في المقام بين الدلالتين دون المدلولين فأراد في الاحتجاج كون الدلالة تضمنية والمأخوذ في الدعوى حصول اللزوم بين الدلالتين فلا منافاة قوله بأن الكل يستلزم الجزء كأنه أراد بذلك إطلاق الاستلزام على مجرد عدم الانفكاك كما عبروا عن عدم انفكاك الكل عن جزئه باستلزامه له وإن لم يكن الجزء من لوازم الكل بحسب الاصطلاح فكما يصح القول بأن الكل يستلزم الجزء يصح أن يقال إن الأمر بالشيء يستلزم المنع عن نقيضه مع كون المنع من النقيض جزءا من مدلوله حسبما ذكره وحينئذ فلا غبار عليه وكان المصنف رحمه الله فهم مما ذكره حمل الاستلزام على معناه الظاهر وأراد تصحيح كون الدلالة على الجزء من قبيل الاستلزام بما ذكره من استلزام الكل بجزئه ولذا قال إنه كما ترى مشيرا إلى ضعفه وأنت خبير بوهن ذلك ووضوح فساده فيبعد حمل كلام المعتذر عليه قوله لجواز كون الاحتجاج لإثبات كون الاقتضاء إلى آخره قد عرفت أن عقد النزاع في كيفية الاقتضاء بعد تسليم نفس الاقتضاء مما لا يترتب عليه ثمرة أصلا فلا وجه لكون النزاع العقود عليه بينهم في ذلك ثم إنه قد نوقش في المقام بأنه لو كان مراد المستدل هذا الاحتمال لم يخل تعبيره عن نوع استدراك لثبوت مطلوبه الذي هو المغايرة بينهما بكون المنع من النقيض جزءا من مفهوم الوجوب فلا حاجة إلى ضم قوله فالدال على الوجوب إلى آخره قلت وكذا الحال لو حمل كلامه على بيان أصل الاقتضاء لوضوح أنه بعد إثبات كون المنع من النقيض جزءا من مفهوم الوجوب يثبت دلالته عليه فلا حاجة أيضا إلى ضم ما ذكر فلا يعقل فرق ولو في بادي الرأي بين الوجهين حتى يمكن تقرير الإيراد المذكور على أحد الوجهين دون الآخر وقد أجاب المورد من المناقشة المذكورة بأنه لما كان الكلام في مدلول الصيغة لوحظ كون الوجوب مدلولا للصيغة حتى يكون الدال على الوجوب دالا على المنع من النقيض وهو أيضا مشترك بين الوجهين كما نبه عليه المورد المذكور فالمناقشة المذكورة ليست في محلها نعم لو ناقش من جهة استدراك المقدمة المذكورة بما ذكر لربما كان له وجه قوله أن يردد في الجواب بين الاحتمالين كأنه أراد بذلك الترديد في الشق الأول من الجواب بين الاحتمالين المذكورين من كون الاحتجاج بكيفية الاقتضاء أو لأصل اقتضائه فيتلقى بالقبول بناء على الأول ويرد بما ذكر في الجواب من خروجه عن محل النزاع على الثاني ويدل على إرادة ذلك أن ما تنظر فيه المصنف من الجواب المذكور إنما هو بالنسبة إلى ذلك الشق دون الشق الثاني فلا كلام له فيه أصلا وإنما إيراده على إطلاق المجيب في إيراده على الشق الأول بل كان ينبغي له التفصيل الذي ذكره في التحقيق فظهر بذلك أنّ ما فسره بعضهم من كون المراد بالأول هو إرادة الترك وبالثاني هو إرادة الأضداد الخاصة ليس على ما ينبغي كيف ولو أراد الأول وكان كلامه في إثبات أصل الاقتضاء ورد عليه ما أورده على المجيب وقد اعترف به المصنف أيضا حيث قال إن ما ذكر في الجواب إنما يتم على التقدير الثاني فلا وجه لأن يتلقاه بالقبول مطلقا كيف وما ذكره حينئذ عين كلام المجيب فكيف يجعل مقتضى التحقيق بعد ذكره الإيراد المذكور على الجواب مضافا إلى ما فيه من التعسف لبعد إرادة الاحتمالين المذكورين في كلام المجيب عن ظاهر كلامه نظرا إلى بعدها عن العبادة وإنما المنساق منه هو ما ذكره المصنف عن الاحتمالين فإن ظاهر قوله والتحقيق أن تردد بين الاحتمالين عدم حصول ذلك من المجيب وأنه الذي ينبغي أن يذكر في الجواب فلا وجه لأن يحمل الاحتمالان المذكوران على ما ذكره في التفسير المذكور وكذا ما فسره به بعض آخر من أن المراد بالأول أن يكون الاحتجاج لإثبات